Thursday, September 06, 2007

good

شارع هياتم

 
بقلم  أسامة غريب    ٦/٩/٢٠٠٧

كنت بالإسكندرية الأسبوع الماضي، عندما قرأت بصحيفة الدستور بتاريخ ٣١ أغسطس خبراً يقول: حي شرق الإسكندرية يطلق اسم الراقصة هياتم علي شارع بجوار كوبري استانلي. وقد نقلت الجريدة استنكار رموز الشارع السكندري لهذا الإجراء، علي أساس أن الراقصة و الممثلة هياتم ليست سكندرية المنشأ، بالإضافة الي أنها لم تسهم في أي دور «سياسياً كان أو اجتماعياً» في الحياة السكندرية. فكيف يتم وضع اسمها علي الشارع؟.

كان الأمر سهلاً بالنسبة لي للتحقق من صحة الخبر، فأخذت سيارتي و انطلقت في اتجاه الكورنيش ووصلت للمنطقة، وشاهدت الشارع تزينه اللافتة كما نشرت الدستور صورتها تماماً. وعلي عكس ما قد يتصور البعض، فإنني لم أشعر بأي انزعاج أو استنكار لإطلاق اسم هياتم علي الشارع، فمدينة الإسكندرية تعج بأسماء شوارع لم يكن صاحب أي منها سكندري الأصل أو المنشأ، مثل "صريع الغواني" الذي لم يذهب للإسكندرية أبداً حتي صرعته الغواني فتم تخليده علي يد المجلس المحلي.

علاوة علي هذا فإن شوارعنا في الإسكندرية و في غيرها من المدن تمتلئ حتي الثمالة بأسماء طغاة و أسماء جبابرة ورجال حكم و ساسة من كل صنف ونوع، بعضهم كان في أحسن الأحوال شخصية تافهة لا تمتلك أي ميزة سوي شغل مقعد وزاري في غفلة من الأيام، وبعضهم ارتكب جرائم ضد الإنسانية وكان أشد عداء للمصريين من الهكسوس!.

 ومن يتابع أسماء الشوارع بنظرة متعمقة لابد سيدرك أن أسماء الشخصيات التي تقترن في أذهان المصريين بالحب والاحترام هي قليلة للغاية، فضلا عن أن الفانتازيا كانت دوما ملمحاً مميزاً لأسماء شوارعنا، فشارع باسم «العيش والملح» لا يعني سوي رضي المصريين التاريخي بالفقر، أما شارع «السكر والليمون» فإنه لا يمثل سوي مكونات عجينة لنزع الشعر!.

لهذا كله فإن إطلاق اسم هياتم الراقصة علي شارع بالإسكندرية لا يعد اختياراً كارثياً، فالاسم لا يستدعي للذهن أي ذكريات أليمة كأسماء رموز الاحتلال الإنجليزي والفرنسي وأسماء عملائهم من المصريين، أو أسماء المماليك القدامي و الجدد.

غير أن سؤالاً خطر ببالي وأنا أناقش مع نفسي موضوع شارع هياتم وهو ما الذي جعل الناس تتصور أن هياتم تلك هي نفسها هياتم الراقصة؟ من أدراهم أنها قد تكون نوعاً آخر من الهياتم؟ وعندما قمت باستعراض تاريخ الإسكندرية ورائدات العمل العام بها، ممن حملن اسم هياتم، لم أجد سوي اثنتين فقط سمعت عنهما ولم أتشرف باللقاء المباشر. الأولي هي "هياتم الهبو" وكانت من أكبر تجار الصنف بالمدينة، و يعرفها كل عشاق الثغر ممن اغتووا بالأمر المحال و هو الحصول علي قطعة غير مضروبة،

وقد اكتسبت الست هياتم سمعتها الطيبة من كونها لم تغش أبداً، ولم تفعل مثل غيرها الذين كانوا يخلطون البضاعة بالحنّاء واللبان الدكر، وأذكر أنني أيام الدراسة قد ذهبت بصحبة صديق سكندري من الغاوين، وصعدت معه علي جبل من الزبالة خلف السكة الحديد بالعصافرة، وشاهدت الزبائن يقفون في طابور، أقسم أنني لم أشهد لانتظامه مثيلاً في مصر طوال حياتي،

 وكان ينتهي عند كوة في الجدار تمتد منها يد نسائية تتدلي منها الغوايش الذهبية، و كانت تأخذ الفلوس من الزبائن وتمنحهم طلباتهم في ورق «سولوفان» وصك سمعي للمرة الأولي مصطلحات مثل غُبارة، وبيروت، وزيت.. وهي أسماء أفضل الأنواع في ذلك الوقت. فهل يا تري «هياتم الهبو» هي صاحبة الشارع المذكور؟ و هل يا تري لايزال حي شرق يذكر أفضالها وأمانتها في التجارة ونثر الهبو علي شواطئ المدينة؟.. لا أدري؟.

أما هياتم الأخري فهي «هياتم الديناري» سيدة الأعمال السفلية، نجمة المجتمع السكندري لسنوات طويلة، وصاحبة أفخم موائد الرحمن.. وقد كان اسمها الأصلي هو «هياتم شنتوح» وأبوها كان شنتوح القواد الذي ورث المهنة عن والده شنتوح الكبير. قامت هياتم بتطوير الأداء وصعدت لفوق مع زبائنها الكبار، وتخلصت من لقب شنتوح الذي لازمها منذ خرجت للحياة في جبل ناعسة، ونسبت نفسها للديناري باشا صاحب محالج الأقطان الشهير.. ويزعم بعض زبائنها القدامي أن لقب الديناري قد التصق بها عندما كانت لا تقبل التعامل سوي بالدينار.. والدينار وحده.

ويذكرون أيضاً أن أحد الزبائن المتذاكين قد دفع لها يوماً بالدينار التونسي، فما كان منها إلا أن جعلته عبرة للمستظرفين، وأعلنت أن دينار جنوب المتوسط سواء الجزائري أو التونسي غير مقبول لديها، وأن الدينار المعتمد هو دينار غرب المحيط الهندي وبحر العرب الذي يتم فكه بعشرين!.

فهل يا تري هياتم هانم الديناري ابنة الريس شنتوح هي المقصودة بشارع هياتم؟ أعتقد أن الإجابة عند المسؤولين بمحافظة الإسكندرية، الذين عليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويعلنوا أن الفنانة هياتم هي صاحبة الشارع، حتي لا يظن الناس أن «هياتم الهبو» أو «هياتم شنتوح» هي المقصودة،

وعليهم أيضاً أن يعلنوا برنامجهم للمرحلة المقبلة، والذي قد يعيد الاعتبار للفن كقيمة في حياتنا خاصة إذا تضمن البرنامج أسماء مثل قطقوطة و نيللي مظلوم وسوزي خيري، وصولا حتي دينا التي أمتعتنا العام قبل الماضي بالكليبات المصورة، التي ارتفعت فيها بالأداء إلي ذري غير مسبوقة، لهذا فقد شاهدها العالم كله، حتي أن نسخة قد وصلتني حيث كنت أعيش بالقطب الشمالي في كندا

1 comment:

عبد السلام إسماعيل said...

معلومات مشوقة عن تسمية شوارعنا ، وقد استعنت ببعضها في تحرير موضوع عن "تسمية الشوارع" في مدونتي "المرور..جوه وبره"..مع الإشارة طبعا إلي مدونتك الجميلة ، مع وافر تحياتي